مأرب وضجيج أصبع محروس

من بين الأفلام العبقرية التي أنتجتها السينما المصرية، يبرز فيلم “إصبع الواد محروس ابتاع الوزير”، الذي يلهم المشاهد إدراكًا عميقًا لتمييز نوعين من المجد، ومسارين في النضال الوطني:
الأول، يبدأ من “الأنا” وينتهي عندها. يرى الوطن مجرد خلفية لصورة شخصية، ويضع النضال الوطني — بكل تضحياته، ودمائه، ومقابره، ونجاحاته، وإخفاقاته، وحاضره، ومستقبله — كتفصيل صغير في سيرته الذاتية، فقط لأنه تعرض لحادث عرضي في طريق غير آمن، هو من اختار السير فيه.
هذا النوع يحوّل رصاصة طائشة — لا يُعرف مصدرها — إلى محاولة اغتيال للوطن. ولا يرى سبيلًا لاستئناف عملية التحرير إلا بمنحه منصب العضو التاسع في مجلس القيادة الرئاسي، وما دون ذلك، يعدّ خيانة وعدم جدية في تحرير البلاد.
الثاني، يبدأ من الوطن وينتهي إليه. يذيب ذاته واهتماماته وطموحاته في الشأن العام، في سبيل أن تظل القضية الوطنية واضحة ونقية وغير مشوهة.
الأول، يستعير الوطن لصناعة مجد زائف، وحضور مركب من ادعاء مؤامرة ومظلومية.
الثاني، يحضر بالكامل في قلب مشهد التضحية والفداء، كحقيقة متحققة، بعيدًا عن الإعلام وضجيج “أصبع الواد محروس”.
الأول، حكاية ملفقة تُختزل فيها الوطنية، ويُطالب الجميع بالطواف حولها.
الثاني، بطولة سمعنا عنها فقط حين منحنا أنفاسه الأخيرة في الجبهة، دفاعًا عنا جميعًا.
بالأمس، بينما كنت أتصفح مواقع التواصل الاجتماعي، صادفت منشورين متجاورين، في مفارقة موجعة:
الأول، لشخص اعتبر غياب دهشتنا واهتمامنا بحادث تعرض له قبل أشهر في مأرب، خيانة وطنية.
والثاني، نعيٌ للبطل الشهيد عبدالله الحنق، الذي سقط في إحدى جبهات مأرب.
لقد كانت تلك لحظة كاشفة للشرخ العميق بين الفعل الحقيقي وصورته المصطنعة، وللتمثيل الزائف الذي أعاق مسار التحرير.
ما يُعرف بـ”آلية التعويض المفرط”، التي يلجأ إليها من لا أثر له، لصناعة رمزية مصطنعة ومكانة غير مستحقة، قد تبدو ظاهرة شخصية، لكنها تتحول إلى كارثة سياسية حين تتفشى كثقافة.
الخطر لا يكمن فقط في من يمارس هذا التمثيل، بل أيضًا في سلوك المجتمع نفسه، حين يقيّم الفعل بالضجيج، لا بالمعنى.
وهذا خلل ينبغي مواجهته بثقافة وطنية تحتفي بالبطولة الحقيقية، وتتجاوز الانشغال بـ”أصبع الواد محروس”، ثقافة تميّز بين النضال الحقيقي، وبين الادعاء الذي يصادر نضال الآخرين ويقدّم نفسه مصدرًا لشرعيته.
إن إحياء حساسية الناس تجاه هذا التمثيل الانتهازي، ضروري لسلامة النظام الرمزي الذي تُبنى عليه شرعية الفعل السياسي. فالمجتمعات التي تسمح بتزوير الرمزيات، تقوّض قدرتها على اجتراح مسارات تحرر حقيقية.
اكتشاف المزيد من المقاطرة نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.









